الشيخ محمد آصف المحسني
119
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
للعالم على النظام الواقع من لوازم ذاته فأنكروا القدرة بالمعنى المذكور . . . وأما كونه تعالى قادرا بمعنى إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل فهو متّفق عليه بين الفريقين . . . « 1 » الخ . قال القوشجي في شرح التجريد : ذهب المليون قاطبة إلى أن تأثير الواجب في العالم بالقدرة والاختيار على معنى انه يصح منه فعل العالم وتركه وذهب الفلاسفة إلى أن تأثيره فيه بالايجاب « 2 » انتهى . وكذا الأصبهاني في شرحه مطالع الأنظار على طوالع الأنوار . وقال بعض الفضلاء السادة في شرحه على نهج البلاغة : وقيل : هو ( أي القادر ) كون ذاته بذاته في الأزل بحيث يصحّ منه خلق الأشياء فيما لا يزال على وفق علمه بها ، وهي عين ذاته . وقيل : هي - القدرة - علمه بالنظام الأكمل من حيث أنه يصحّ صدور الفعل عنه . وقيل : هي عبارة عن نفي العجز عنه . وقيل : هي فيض الأشياء عنه بمشيئته التي لا تزيد على ذاته ، وهي العناية الأزلية « 3 » انتهى . تعقيب تحصيلي هذه نبذة من كلماتهم في المسألة ، وهي تدلّك على حقيقة القولين المذكورين دلالة واضحة ، ولمزيد تنقيح البحث نذكر ما يستفاد من هذه التعابير ، وهو أمور : الأول : إنّ البحث ليس بلفظي كما توهم ، ولا ملازمة بين القولين أصلا كما زعم ، فإن المتكلّمين يعتبرون الصحّة التي هي الإمكان في تعريف القدرة ، والفلاسفة ينكرونها أشدّ الانكار . فالتعريف الأول - وهو صحّة الفعل والترك - صحيح عند أصحاب الكلام وباطل بزعم أرباب الفلسفة ، وأمّا التعريف الثاني - وهو إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل - فهو ينطبق على كلا المسلكين ، فإنّ صحّة الشرطية لا تنافي ضرورة المقدّم وامتناع التالي ولا امكانهما ، فالمتكلّم على الثاني والفلسفي على الأوّل . الثاني : اعتراف الحكماء بصحة تعريف المتكلّمين في الذي كان إرادته زائدة على ذاته ، وكان داعيه أمرا مباينا ، فإنّ الفعل بالنظر إلى ذاته من حيث هي ممكن الصدور والترك ، والخلاف فيمن كان إرادته وداعيه عين ذاته بلا فرق أبدا . الثالث : ضرورة العالم بالنسبة إلى ذاته تعالى من حيث هي ذاته وعدم إمكان تخلّفه عنها -
--> ( 1 ) شرح المواقف 3 / 41 . ( 2 ) شرح التجريد / 348 . ( 3 ) منهاج البراعة 1 / 309 .